< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أمّا قَوْلُكم: إنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا مَمْنُوعٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ في غايَةِ الضَّعْفِ ونِهايَةِ السَّخافَةِ، وإذا لَمْ يُوجَدْ في العَقْلِ ما يَمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وجاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ بِإثْباتِ الرُّؤْيَةِ، وجَبَ إجْراؤُها عَلى ظَواهِرِها. أمّا قَوْلُهُ: الزِّيادَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ. فَنَقُولُ: المَزِيدُ عَلَيْهِ، إذا كانَ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وجَبَ أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ مُخالِفَةً لَهُ.
مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: أعْطَيْتُكَ عَشَرَةَ أمْدادٍ مِنَ الحِنْطَةِ وزِيادَةً، فَهاهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ مِنَ الحِنْطَةِ.
ومِثالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: أعْطَيْتُكَ الحِنْطَةَ وزِيادَةً، فَهاهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ غَيْرَ الحِنْطَةِ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظُ ﴿الحُسْنى﴾ وهي الجَنَّةُ، وهي مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ عَلَيْها شَيْئًا مُغايِرًا لِكُلِّ ما في الجَنَّةِ. وأمّا قَوْلُهُ: الخَبَرُ المَذْكُورُ في هَذا البابِ، اشْتَمَلَ عَلى لَفْظِ النَّظَرِ، وعَلى إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى، وكِلاهُما يُوجِبانِ التَّشْبِيهَ. فَنَقُولُ: هَذا الخَبَرُ أفادَ إثْباتَ الرُّؤْيَةِ، وأفادَ إثْباتَ الجِسْمِيَّةِ. ثُمَّ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ رُؤْيَتِهِ، فَوَجَبَ تَرْكُ العَمَلِ بِما قامَ الدَّلِيلُ عَلى فَسادِهِ فَقَطْ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الرُّؤْيَةُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ تُنافِي تَقْرِيرَ ذَلِكَ الخَبَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما يَحْصُلُ لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ السَّعاداتِ، شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ الآفاتِ الَّتِي صانَهُمُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنْها، فَقالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ والمَعْنى: لا يَغْشاها قَتَرٌ، وهي غَبَرَةٌ فِيها سَوادٌ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ ولا أثَرُ هَوانٍ ولا كُسُوفٍ.
فالصِّفَةُ الأُولى: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾[عبس: ٤٠، ٤١] .
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾[الغاشية: ٢، ٣] والغَرَضُ مِن نَفْيِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، نَفْيُ أسْبابِ الخَوْفِ والحُزْنِ والذُّلِّ عَنْهم، لِيُعْلَمَ أنَّ نَعِيمَهُمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى خالِصٌ غَيْرُ مَشُوبٍ بِالمَكْرُوهاتِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما إذا حَصَلَ غَيَّرَ صَفْحَةَ الوَجْهِ، ويُزِيلُ ما فِيها مِنَ النَّضارَةِ والطَّلاقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم خالِدُونَ في الجَنَّةِ لا يَخافُونَ الِانْقِطاعَ.
واعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ قالُوا: الثَّوابُ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾[يونس: ٢٥] يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّعْظِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَنفَعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها خالِصَةً، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِطاعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٦٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كَما شَرَحَ حالَ المُسْلِمِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، شَرَحَ حالَ مَن أقْدَمَ عَلى السَّيِّئاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ أُمُورًا أرْبَعَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾والمَقْصُودُ مِن هَذا القَيْدِ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَسَناتِ وبَيْنَ السَّيِّئاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أعْمالِ البِرِّ أنَّهُ يُوصِلُ إلى المُشْتَغِلِينَ بِها الثَّوابَ مَعَ الزِّيادَةِ، وأمّا في عَمَلِ السَّيِّئاتِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا بِالمِثْلِ، والفَرْقُ هو أنَّ الزِّيادَةَ عَلى الثَّوابِ تَكُونُ تَفَضُّلًا وذَلِكَ حَسَنٌ، ويَكُونُ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ