< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هَذا صِفَةً لِلنَّباتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: كَأنْ لَمْ تُعَمَّرْ بِالأمْسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ هو الأرْضُ، وقَوْلُهُ:﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نَذْكُرُ واحِدَةً مِنها بَعْدَ الأُخْرى عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِيَكُونَ تَوالِيها وكَثْرَتُها سَبَبًا لِقُوَّةِ اليَقِينِ، ومُوجِبًا لِزَوالِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٦١

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفَّرَ الغافِلِينَ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِالمَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الآخِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. ووَجْهُ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَثَلِي ومَثَلُكم شَبَهُ سَيِّدٍ بَنى دارًا ووَضَعَ مائِدَةً وأرْسَلَ داعِيًا، فَمَن أجابَ الدّاعِيَ دَخَلَ الدّارَ وأكَلَ مِنَ المائِدَةِ ورَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، ومَن لَمْ يُجِبْ لَمْ يَدْخُلْ ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَرْضَ عَنْهُ السَّيِّدُ، فاللَّهُ السَّيِّدُ، والدّارُ دارُ الإسْلامِ، والمائِدَةُ الجَنَّةُ، والدّاعِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ» “ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما مِن يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ إلّا وبِجَنْبَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كُلُّ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ: أيُّها النّاسُ، هَلُمُّوا إلى رَبِّكم، واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ مِن دارِ السَّلامِ الجَنَّةُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَصَلَ هَذا الِاسْمُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ تَعالى، والجَنَّةُ دارُهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هاهُنا بَيانُ فائِدَةِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالسَّلامِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنَ الفَناءِ والتَّغَيُّرِ، وسَلِمَ مِنِ احْتِياجِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ إلى الِافْتِقارِ إلى الغَيْرِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لَيْسَتْ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾[محمد: ٣٨] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾[فاطر: ١٥] .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِالسَّلامِ، بِمَعْنى أنَّ الخَلْقَ سَلِمُوا مِن ظُلْمِهِ، قالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[فصلت: ٤٦] ولِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وتَصَرُّفُ الفاعِلِ في مِلْكِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ ظُلْمًا. ولِأنَّ الظُّلْمَ إنَّما يَصْدُرُ إمّا عَنِ العاجِزِ أوِ الجاهِلِ أوِ المُحْتاجِ، ولَمّا كانَ الكُلُّ مُحالًا عَلى اللَّهِ تَعالى، كانَ الظُّلْمُ مُحالًا في حَقِّهِ.

وثالِثُها: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِالسَّلامِ بِمَعْنى أنَّهُ ذُو السَّلامِ؛ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى السَّلامِ إلّا هو، والسَّلامُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ العاجِزِينَ عَنِ المَكارِهِ والآفاتِ. فالحَقُّ تَعالى هو السّاتِرُ لِعُيُوبِ المَعْيُوبِينَ، وهو المُجِيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ، وهو المُنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ. قالَ المُبَرِّدُ: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: السَّلامُ مَصْدَرُ سَلِمَ.

القَوْلُ الثّانِي: السَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ، ومَعْنى دارِ السَّلامِ: الدّارُ الَّتِي مَن دَخَلَها سَلِمَ مِنَ الآفاتِ. فالسَّلامُ هاهُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ، كالرَّضاعِ بِمَعْنى الرَّضاعَةِ. فَإنَّ الإنْسانَ هُناكَ سَلِمَ مِن كُلِّ الآفاتِ، كالمَوْتِ والمَرَضِ والألَمِ والمَصائِبِ ونَزَغاتِ الشَّيْطانِ والكُفْرِ والبِدْعَةِ والكَدِّ والتَّعَبِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِدارِ السَّلامِ لِأنَّهُ تَعالى يُسَلِّمُ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[يس: ٥٨] والمَلائِكَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾[الرعد: ٢٣، ٢٤] وهم أيْضًا يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾[إبراهيم: ٢٣] وأيْضًا فَسَلامُهم يَصِلُ إلى السُّعَداءِ مِن أهْلِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾[الواقعة: ٩٠، ٩١] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَمالَ قُدْرَتِهِ وكَمالَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ مَعْلُومٌ، فَدَعَوَتُهُ عَبِيدَهُ إلى دارِ السَّلامِ، تَدُلُّ عَلى أنَّ