< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلى الإيمانِ ؟
القَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُرادُ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في أنَّهم خُلِقُوا عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الأدْيانِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ ومِنهم مَن يَقُولُ: المُرادُ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الشَّرائِعِ العَقْلِيَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾[الأنعام: ١٥١] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدِ اسْتَقْصَيْنا فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلْنَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ هاهُنا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ ما هي، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ يَبْقى التَّكْلِيفُ عَلى عِبادِهِ، وإنْ كانُوا بِهِ كافِرِينَ، لَقُضِيَ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الحِسابِ والعِقابِ لِكُفْرِهِمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزَوالِ التَّكْلِيفِ، ويُوجِبُ الإلْجاءَ، وكانَ إبْقاءُ التَّكْلِيفِ أصْوَبَ وأصْلَحَ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى أخَّرَ هَذا العِقابَ إلى الآخِرَةِ. ثُمَّ قالَ هَذا القائِلُ: وفي ذَلِكَ تَصْبِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ مِن قِبَلِ الكافِرِينَ والظّالِمِينَ.
الثّانِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في أنَّهُ لا يُعاجِلُ العُصاةَ بِالعُقُوبَةِ إنْعامًا عَلَيْهِمْ، لَقُضِيَ
صفحة ٥٢
بَيْنَهم في اخْتِلافِهِمْ، بِما يَمْتازُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، والمُصِيبُ مِنَ المُخْطِئِ.الثّالِثُ: أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ هي قَوْلُهُ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَلَمّا كانَتْ رَحْمَتُهُ غالِبَةً اقْتَضَتْ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الغالِبَةُ إسْبالَ السَّتْرِ عَلى الجاهِلِ الضّالِّ، وإمْهالَهُ إلى وقْتِ الوِجْدانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن شُبُهاتِ القَوْمِ في إنْكارِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي جِئْتَنا بِهِ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الكَلِماتِ، والكِتابُ لا يَكُونُ مُعْجِزًا، ألا تَرى أنَّ كِتابَ مُوسى وعِيسى ما كانَ مُعْجِزَةً لَهُما، بَلْ كانَ لَهُما أنْواعٌ مِنَ المُعْجِزاتِ دَلَّتْ عَلى نُبُوَّتِهِما سِوى الكِتابِ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَدَّعِي إمْكانَ المُعارَضَةِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾[الأنفال: ٣١] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ طَلَبُوا مِنهُ شَيْئًا آخَرَ سِوى القُرْآنِ، لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ عِنْدَ هَذا السُّؤالِ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: أقامَ الدَّلالَةَ القاهِرَةَ عَلى أنَّ ظُهُورَ القُرْآنِ عَلَيْهِ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ نَشَأ فِيما بَيْنَهم وتَرَبّى عِنْدَهم، وهم عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ كِتابًا، ولَمْ يُتَلْمِذْ لِأُسْتاذٍ. بَلْ كانَ مُدَّةَ أرْبَعِينَ سَنَةً مَعَهم ومُخالِطًا لَهم، وما كانَ مُشْتَغِلًا بِالفِكْرِ والتَّعَلُّمِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّهُ دَفْعَةً واحِدَةً ظَهَرَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وظُهُورُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ العالِي عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ شَيْءٌ مِن أسْبابِ التَّعَلُّمِ، لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ. فَهَذا بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ ظاهِرٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ طَلَبُ آيَةٍ أُخْرى سِوى القُرْآنِ مِنَ الِاقْتِراحاتِ الَّتِي لا حاجَةَ إلَيْها في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،