< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَظَّمُوا قُبُورَهم فَإنَّهم يَكُونُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وخامِسُها: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الإلَهَ نُورٌ عَظِيمٌ، وأنَّ المَلائِكَةَ أنْوارٌ، فَوَضَعُوا عَلى صُورَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ الصَّنَمَ الأكْبَرَ، وعَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ صُوَرًا أُخْرى.
وسادِسُها: لَعَلَّ القَوْمَ حُلُولِيَّةٌ، وجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ في بَعْضِ الأجْسامِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ باطِلَةٌ، بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قَرَّرُوا وجْهًا واحِدًا، وهو أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ تَقْرِيرُ نَفْيِهِ في نَفْسِهِ، وبَيانُ أنْ لا وُجُودَ لَهُ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَوْجُودًا، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ مَشْهُورٌ في العُرْفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، ومَقْصُودُهُ أنَّهُ ما حَصَلَ ذَلِكَ قَطُّ، وقُرِئَ (أتُنْبِئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فالمَقْصُودُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُشْرِكُونَ“ بِالتّاءِ، ومِثْلُهُ في أوَّلِ النَّحْلِ في مَوْضِعَيْنِ، وفي الرُّومِ كُلِّها بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، قالَ صاحِبُ
صفحة ٥٠
”الكَشّافِ“: ”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ ومَن قَرَأ بِالياءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قُلْ أنْتَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ القاهِرَةَ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، بَيَّنَ السَّبَبَ في كَيْفِيَّةِ حُدُوثِ هَذا المَذْهَبِ الفاسِدِ، والمَقالَةِ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، في ماذا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا جَمِيعًا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ كَوْنِ الكُفْرِ باطِلًا، وتَزْيِيفُ طَرِيقِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَقْرِيرُ أنَّ الإسْلامَ هو الدِّينُ الفاضِلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ هو أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً، إمّا في الإسْلامِ، وإمّا في الكُفْرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ. فَبَقِيَ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الإسْلامِ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ؛ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾[النساء: ٤١] وشَهِيدُ اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا عَدْلًا. فَثَبَتَ أنَّهُ ما خَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إلّا وفِيهِمْ مُؤْمِنٌ.
الثّانِي: أنَّ الأحادِيثَ ورَدَتْ بِأنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو عَمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، وعَنْ أقْوامٍ بِهِمْ يُمْطَرُ أهْلُ الأرْضِ وبِهِمْ يُرْزَقُونَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ الأصْلِيَّةُ في الخَلْقِ هو العُبُودِيَّةَ، فَيَبْعُدُ خُلُوُّ أهْلِ الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذا المَقْصُودِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ إلى أهْلِ الأرْضِ فَمَقَتَهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلّا بَقِيَّةً مِن أهْلِ الكِتابِ»“ وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْمٍ تَمَسَّكُوا