< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هَذا هو أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ آخَرَ سِوى هَذا الكِتابِ، مَعَ كَوْنِ هَذا الكِتابِ باقِيًا بِحالِهِ، والتَّبْدِيلُ هو أنْ يُغَيِّرَ هَذا الكِتابَ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ اكْتَفى في الجَوابِ عَلى نَفْيِ أحَدِ القِسْمَيْنِ قُلْنا: الجَوابُ المَذْكُورُ عَنْ أحَدِ القِسْمَيْنِ هو عَيْنُ الجَوابِ عَنِ القِسْمِ الثّانِي. وإذا كانَ كَذَلِكَ وقَعَ الِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الثّانِي. وإنَّما قُلْنا: الجَوابُ عَنْ أحَدِ القِسْمَيْنِ عَيْنُ الجَوابِ عَنِ الثّانِي لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ، كَما لا يَقْدِرُ سائِرُ العَرَبِ عَلى مِثْلِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُتَقَرِّرًا في نُفُوسِهِمْ بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِن تَحَدِّيهِ لَهم بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَقَدْ دَلَّهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن قُرْآنٍ غَيْرِ هَذا. والثّانِي: أنَّ التَّبْدِيلَ أقْرَبُ إلى الإمْكانِ مِنَ المَجِيءِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، فَجَوابُهُ عَنِ الأسْهَلِ يَكُونُ جَوابًا عَنِ الأصْعَبِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ وبَيْنَ تَبْدِيلِ هَذا القُرْآنِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ جَوابًا عَنِ الأمْرَيْنِ، إلّا أنَّهُ ضَعِيفٌ عَلى ما بَيَّناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى هَذا الِالتِماسِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ، مِثْلَ أنْ يَقُولُوا: إنَّكَ لَوْ جِئْتَنا بِقُرْآنٍ آخَرَ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ أوْ بَدَّلْتَهُ لَآمَنّا بِكَ، وغَرَضُهم مِن هَذا الكَلامِ السُّخْرِيَةُ والتَّطَيُّرُ. والثّانِي: أنْ يَكُونُوا قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ أيْضًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِبَةِ والِامْتِحانِ، حَتّى إنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّهُ كانَ كَذّابًا في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الِالتِماسِ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى ذَمِّ آلِهَتِهِمْ والطَّعْنِ في طَرائِقِهِمْ، وهم كانُوا يَتَأذَّوْنَ مِنها، فالتَمَسُوا كِتابًا آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونُوا قَدْ جَوَّزُوا كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، التَمَسُوا مِنهُ أنْ يَلْتَمِسَ مِنَ اللَّهِ نَسْخَ هَذا القُرْآنِ وتَبْدِيلَهُ بِقُرْآنٍ آخَرَ. وهَذا الوَجْهُ أبْعَدُ الوُجُوهِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: إنَّ هَذا التَّبْدِيلَ غَيْرُ جائِزٍ مِنِّي ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِهِ في أنَّهُ مُتَوَعَدٌ بِالعَذابِ العَظِيمِ إنْ عَصى. ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعْناهُ: لا أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حَكَمَ إلّا بِالوَحْيِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْكم قَطُّ بِالِاجْتِهادِ.
صفحة ٤٧
الفَرْعُ الثّانِي: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حَكَمَ إلّا بِالنَّصِّ. فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أنْ لا يَحْكُمُوا إلّا بِمُقْتَضى النَّصِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ .
الفَرْعُ الثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾[الفتح: ٢] وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَدْخُلُ في الأحْكامِ والتَّعَبُّداتِ لا في تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.
الفَرْعُ الرّابِعُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾مَشْرُوطٌ بِما يَكُونُ واقِعًا بِلا تَوْبَةٍ ولا طاعَةٍ أعْظَمَ مِنها، ونَحْنُ نَقُولُ: فِيهِ تَخْصِيصٌ ثالِثٌ، وهو أنْ لا يَعْفُوَ عَنْهُ ابْتِداءً؛ لِأنَّ عِنْدَنا يَجُوزُ