< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ في أوْقاتِ الرّاحَةِ والرَّفاهِيَةِ، حَتّى يَكُونَ مُجابَ الدَّعْوَةِ في وقْتِ المِحْنَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن سَرَّهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ عِنْدَ الكَرْبِ والشَّدائِدِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ عِنْدَ الرَّخاءِ» “ .

واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ رِعايَةُ أُمُورٍ، فَأوَّلُها: أنْ يَكُونَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مُعْتَرِضٍ بِالقَلْبِ واللِّسانِ عَلَيْهِ. وإنَّما وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مالِكٌ عَلى الإطْلاقِ ومَلِكٌ بِالِاسْتِحْقاقِ. فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ ما شاءَ كَما يَشاءُ، ولِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ عَلى الإطْلاقِ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الباطِلِ والعَبَثِ، فَكُلُّ ما فَعَلَهُ فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى إنْ أبْقى عَلَيْهِ تِلْكَ المِحْنَةَ فَهو عَدْلٌ، وإنْ أزالَها عَنْهُ فَهو فَضْلٌ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَرْكُ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. وثانِيها: أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إنِ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بَدَلًا عَنِ الدُّعاءِ كانَ أفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ ولِأنَّ الِاشْتِغالَ

صفحة ٤٢

بِالذِّكْرِ اشْتِغالٌ بِالحَقِّ، والِاشْتِغالَ بِالدُّعاءِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، ثُمَّ إنِ اشْتَغَلَ بِالدُّعاءِ وجَبَ أنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ أنْ يَكُونَ إزالَتُهُ صَلاحًا في الدِّينِ، وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ راجِحًا عِنْدَهُ عَلى الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أزالَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبالِغَ في الشُّكْرِ، وأنْ لا يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ الشُّكْرِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وأحْوالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَهَذا هو الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ. وهاهُنا مَقامٌ آخَرُ أعْلى وأفْضَلُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا: إنَّ مَن كانَ في وقْتِ وِجْدانِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ لا بِالمُنْعِمِ كانَ عِنْدَ البَلِيَّةِ مَشْغُولًا بِالبَلاءِ لا بِالمُبْلِي، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ أبَدًا في البَلاءِ، أمّا في وقْتِ البَلاءِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ في البَلاءِ، وأمّا في وقْتِ حُصُولِ النَّعْماءِ فَإنَّ خَوْفَهُ مِن زَوالِها يَكُونُ أشَدَّ أنْواعِ البَلاءِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما كانَتْ أكْمَلَ وألَذَّ وأقْوى وأفْضَلَ كانَ خَوْفُ زَوالِها أشَدَّ إيذاءً وأقْوى إيحاشًا، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ كانَ أبَدًا في لُجَّةِ البَلِيَّةِ. أمّا مَن كانَ في وقْتِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالمُنْعِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ في وقْتِ البَلاءِ مَشْغُولًا بِالمُبْلِي، وإذا كانَ المُنْعِمُ والمُبْلِي واحِدًا كانَ نَظَرُهُ أبَدًا عَلى مَطْلُوبٍ واحِدٍ، وكانَ مَطْلُوبُهُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ مُقَدَّسًا عَنِ التَّبَدُّلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في وقْتِ البَلاءِ وفي وقْتِ النَّعْماءِ غَرِقًا في بَحْرِ السَّعاداتِ، واصِلًا إلى أقْصى الكَمالاتِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ البَيانِ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في (الإنْسانَ) في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ الكافِرُ، ومِنهم مَن بالَغَ وقالَ: كُلُّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ ورَدَ فِيهِ ذِكْرُ الإنْسانِ فالمُرادُ هو الكافِرُ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾[الانشقاق: ٦ - ٧] لا شُبْهَةَ في أنَّ المُؤْمِنَ داخِلٌ فِيهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾[الدهر: ١] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾[المؤمنون: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾[ق: ١٦]فالَّذِي قالُوهُ بَعِيدٌ، بَلِ الحَقُّ أنْ نَقُولَ: اللَّفْظُ المُفْرَدُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ حُكْمُهُ أنَّهُ إذا حَصَلَ