< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الصَّواعِقِ والزَّلازِلِ والخَسْفِ. وثانِيها: أحْوالُ المَعادِنِ، وهي عَجِيبَةٌ كَثِيرَةٌ. وثالِثُها: اخْتِلافُ أحْوالِ النَّباتِ. ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ، وجُمْلَةُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والِاسْتِقْصاءُ في شَرْحِ هَذِهِ الأحْوالِ مِمّا لا يُمْكِنُ في ألْفِ مُجَلَّدٍ، بَلْ كُلُّ ما ذَكَرَهُ العُقَلاءُ في أحْوالِ أقْسامِ هَذا العالَمِ فَهو جُزْءٌ مُخْتَصَرٌ مِن هَذا البابِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ فَخَصَّها بِالمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهم يَحْذَرُونَ العاقِبَةَ فَيَدْعُوهُمُ الحَذَرُ إلى التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ. قالَ القَفّالُ: مَن تَدَبَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمَ أنَّ الدُّنْيا مَخْلُوقَةٌ لِشَقاءِ النّاسِ فِيها، وأنَّ خالِقَها وخالِقَهم ما أهْمَلَهم، بَلْ جَعَلَها لَهم دارَ عَمَلٍ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، ثُمَّ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، لِيَتَمَيَّزَ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ في الحَقِيقَةِ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِإثْباتِ المَبْدَأِ وإثْباتِ المَعادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِإثْباتِ الإلَهِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ، وعَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، شَرَعَ بَعْدَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن يَكْفُرُ بِها، وفي شَرْحِ أحْوالِ مَن يُؤْمِنُ بِها. فَأمّا شَرْحُ أحْوالِ الكافِرِينَ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٢
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا الرَّجاءِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ البَعْثَ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها. والدَّلِيلُ عَلى تَفْسِيرِ الرَّجاءِ هاهُنا بِالخَوْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾[النازعات: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾[الأنبياء: ٤٩] وتَفْسِيرُ الرَّجاءِ بِالخَوْفِ جائِزٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾[نوح: ١٣] قالَ الهُذَلِيُّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
والقَوْلُ الثّانِي: تَفْسِيرُ الرَّجاءِ بِالطَّمَعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ: لا يَطْمَعُونَ في ثَوابِنا، فَيَكُونُ هَذا الرَّجاءُ هو الَّذِي ضِدُّهُ اليَأْسُ، كَما قالَ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾ .واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ الضِّدِّ بِالضِّدِّ غَيْرُ جائِزٍ، ولا مانِعَ هاهُنا مِن حَمْلِ الرَّجاءِ عَلى ظاهِرِهِ البَتَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ لِقاءَ اللَّهِ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ تَجَلِّيَ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ، وإشْراقَ نُورِ كِبْرِيائِهِ في رُوحِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الوُصُولَ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وإلى رَحْمَتِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو أعْظَمُ الدَّرَجاتِ وأشْرَفُ السَّعاداتِ وأكْمَلُ الخَيْراتِ، فالعاقِلُ كَيْفَ لا يَرْجُوهُ ؟ وكَيْفَ لا يَتَمَنّاهُ ؟ وإنْ كانَ الثّانِيَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَصِّلَهُ إلى ثَوابِهِ ومَقاماتِ رَحْمَتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَهو يَرْجُو ثَوابَهُ، وكُلُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ولا بِالمَعادِ فَقَدْ أبْطَلَ عَلى نَفْسِهِ هَذا الرَّجاءَ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ عَدَمِ هَذا الرَّجاءِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللِّقاءُ هو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحَدِّ والنِّهايَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مَجازٌ ظاهِرٌ. فَإنَّهُ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا: إذا رَأيْتُهُ، وحَمْلُهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ يَقْتَضِي زِيادَةً في الإضْمارِ وهو خِلافُ الدَّلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أنَّ سَعادَةَ النَّفْسِ بَعْدَ