< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَعالى هَلْ يَعْدِمُها أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ بِأنَّهُ يُعِيدُها، فَوَجَبَ أنْ يُعِيدَ الأجْسامَ أيْضًا، وإعادَتُها لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ إعْدامِها، وإلّا لَزِمَ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾[الأنبياء: ١٠٤] فَحَكَمَ بِأنَّ الإعادَةَ تَكُونُ مِثْلَ الِابْتِداءِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُها في الِابْتِداءِ مِنَ العَدَمِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعِيدُها أيْضًا مِنَ العَدَمِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ لِيَأْمُرَهم بِالعِبادَةِ، ثُمَّ يُمِيتُهم، ثُمَّ يُعِيدُهم، كَما قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾[البقرة: ٢٨] إلّا أنَّهُ تَعالى حَذَفَ ذِكْرَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ هاهُنا، لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾

صفحة ٢٦

﴿فاعْبُدُوهُ﴾[يونس: ٣] وحَذَفَ ذِكْرَ الإماتَةِ لِأنَّ ذِكْرَ الإعادَةِ يَدُلُّ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بِالكَسْرِ وبَعْضُهم بِالفَتْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن ”إنِّ“ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وفي الفَتْحِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، و(يُبْدِئُ) مِن أبْدَأ، وقُرِئَ: (حَقٌّ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) كَقَوْلِكَ: حَقٌّ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، حَتّى يَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وحَتّى يَصِلَ الثَّوابُ إلى المُطِيعِ والعِقابُ إلى العاصِي، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الكَعْبِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العِبادَ لِلثَّوابِ والرَّحْمَةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ عَلى الثَّوابِ. وأمّا العِقابُ فَما أدْخَلَ فِيهِ لامَ التَّعْلِيلِ، بَلْ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ لا لِلْعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ مِنهُمُ الكُفْرَ، وما خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ البَتَّةَ.

والجَوابُ: أنَّ لامَ التَّعْلِيلِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِعِلَّةٍ، لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ أيْضًا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْدَأ خَلْقَهم في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَسُنَ إيصالُ تِلْكَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ واسِطَةِ خَلْقِهِمْ في هَذا العالَمِ ومِن غَيْرِ واسِطَةِ تَكْلِيفِهِمْ، لَما كانَ خَلْقُهم وتَكْلِيفُهم مُعَلَّلًا بِإيصالِ تِلْكَ النِّعَمِ إلَيْهِمْ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

والجَوابُ: هَذا بِناءً عَلى صِحَّةِ تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، وهو باطِلٌ. سَلَّمْنا صِحَّتَهُ، إلّا أنَّ كَلامَهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ عَلَّلْنا بَدْءَ الخَلْقِ وإعادَتَهُ بِهَذا المَعْنى وذَلِكَ مَمْنُوعٌ. فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ لِمَحْضِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُعِيدُهم لِغَرَضِ إيصالِ نِعَمِ الجَنَّةِ إلَيْهِمْ ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ كَلامُهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالقِسْطِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وهو يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ والمَعْنى: لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ، وفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ القِسْطَ إذا كانَ مُفَسَّرًا بِالعَدْلِ، فالعَدْلُ هو الَّذِي يَكُونُ لا زائِدًا ولا ناقِصًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى لا يَزِيدُهم عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ، ولا