< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والمُرادُ أنَّها هي آياتُ ذَلِكَ الكِتابِ المَكْنُونِ المَخْزُونِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي الآيَةِ قَوْلانِ آخَرانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ هي الآياتُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والمَعْنى: أنَّ القَصَصَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُوافَقَةٌ لِلْقَصَصِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَحُصُولُ هَذِهِ المُوافَقَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا خَصَّ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِإنْزالِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الر﴾ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ التَّهَجِّي، فَقَوْلُهُ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحُرُوفُ هي الأشْياءُ الَّتِي جُعِلَتْ آياتٍ وعَلاماتٍ لِهَذا الكِتابِ الَّذِي بِهِ وقَعَ التَّحَدِّي. فَلَوْلا امْتِيازُ هَذا الكِتابِ عَنْ كَلامِ النّاسِ بِالوَصْفِ المُعْجِزِ، وإلّا لَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهَذا النَّظْمِ دُونَ سائِرِ النّاسِ القادِرِينَ عَلى التَّلَفُّظِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ مُحالًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَكِيمَ هو ذُو الحِكْمَةِ بِمَعْنى اشْتِمالِ الكِتابِ عَلى الحِكْمَةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ الكَلامِ بِصِفَةِ مَن تَكَلَّمَ بِهِ. قالَ الأعْشى:

وغَرِيبَةٌ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٌ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها

الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى الحاكِمِ، فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾[البقرة: ٢١٣] فالقُرْآنُ كالحاكِمِ في الِاعْتِقاداتِ لِتَمَيُّزِ حَقِّها عَنْ باطِلِها،

صفحة ٥

وفِي الأفْعالِ لِتَمَيُّزِ صَوابِها عَنْ خَطَئِها، وكالحاكِمِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ في دَعْوى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ الكُبْرى لِرَسُولِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَتْ إلّا القُرْآنَ. الرّابِعُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى المُحْكَمِ. والإحْكامُ مَعْناهُ المَنعُ مِنَ الفَسادِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لا يَمْحُوهُ الماءُ ولا تَحْرِقُهُ النّارُ ولا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ. أوِ المُرادُ مِنهُ بَراءَتُهُ عَنِ الكَذِبِ والتَّناقُضِ. الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: وصَفَ الكِتابَ بِالحَكِيمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، وحَكَمَ فِيهِ بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَهُ وبِالنّارِ لِمَن عَصاهُ، فَعَلى هَذا ﴿الحَكِيمِ﴾ يَكُونُ مَعْناهُ المَحْكُومَ فِيهِ. السّادِسُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ في أصْلِ اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُ الحِكْمَةَ والصَّوابَ، فَكانَ وصْفُ القُرْآنِ بِهِ مَجازًا، ووَجْهُ المَجازِ هو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي صارَ كَأنَّهُ هو الحَكِيمُ في نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ. أمّا بَيانُ كَوْنِ الكُفّارِ تَعَجَّبُوا مِن هَذا التَّخْصِيصِ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ [ ص: ٥ و٦ ] وإذا بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى أنْ تَعَجَّبُوا مِن كَوْنِ الإلَهِ تَعالى واحِدًا، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما وجَدَ رَسُولًا إلى خَلْقِهِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزخرف: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا التَّعَجُّبُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، كَما حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾[الإسراء: ٩٤] .