< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


واجِبٍ عَقْلًا، وأحَدُ دَلائِلِهِمْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ. وأيْضًا فالتَّعْلِيلُ ما وقَعَ بِمُجَرَّدِ المَعْصِيَةِ السّابِقَةِ، بَلْ بِتِلْكَ المَعْصِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ المُفْسِدِينَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَ يَمْلَأُ فَمَهُ مِنَ الطِّينِ لِئَلّا يَتُوبَ غَضَبًا عَلَيْهِ ؟

والجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ إمّا أنْ يُقالَ التَّكْلِيفُ كانَ ثابِتًا أوْ ما كانَ ثابِتًا، فَإنْ كانَ ثابِتًا لَمْ يَجُزْ عَلى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِينَهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَلى كُلِّ طاعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾[المائدة: ٢] وأيْضًا فَلَوْ مَنَعَهُ بِما ذَكَرُوهُ لَكانَتِ التَّوْبَةُ مُمْكِنَةً؛ لِأنَّ الأخْرَسَ قَدْ يَتُوبُ بِأنْ يَنْدَمَ بِقَلْبِهِ ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِ مُعاوَدَةِ القَبِيحِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِما فَعَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فائِدَةٌ، وأيْضًا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ لَكانَ قَدْ رَضِيَ بِبَقائِهِ عَلى الكُفْرِ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وأيْضًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾[طه: ٤٤] ثُمَّ يَأْمُرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الإيمانِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا يُبْطِلُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾[مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾[الأنبياء: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾[الأنبياء: ٢٧] وأمّا إنْ قِيلَ: إنِ التَّكْلِيفَ كانَ زائِلًا عَنْ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا الفِعْلِ الَّذِي نُسِبَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ فائِدَةٌ أصْلًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ

صفحة ١٢٦

الأرْضِ، وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ.

الثّانِي: نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ ونُخَلِّصُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَغْرَقَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي أنْتَ فِيهِ حِينَئِذٍ لا رُوحَ فِيكَ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا وعْدٌ لَهُ بِالنَّجاةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾[آل عمران: ٢١] كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُنَجِّيكَ لَكِنَّ هَذِهِ النَّجاةَ إنَّما تَحْصُلُ لِبَدَنِكَ لا لِرُوحِكَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: نُعْتِقُكَ ولَكِنْ بَعْدَ المَوْتِ، ونُخَلِّصُكَ مِنَ السِّجْنِ ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَمُوتَ.

الرّابِعُ: قَرَأ بَعْضُهم ”نُنَحِّيكَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ طُرِحَ بَعْدَ الغَرَقِ بِجانِبٍ مِن جَوانِبِ البَحْرِ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ الماءُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي كُنْتَ بَدَنًا مَحْضًا مِن غَيْرِ رُوحٍ.

الثّانِي: المُرادُ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كامِلًا سَوِيًّا لَمْ تَتَغَيَّرْ.

الثّالِثُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ.

الرّابِعُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ. قالَ اللَّيْثُ: البَدَنُ هو الدِّرْعُ الَّذِي يَكُونُ قَصِيرَ الكُمَّيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ، وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَلَيْهِ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الماءِ مَعَ ذَلِكَ الدِّرْعِ لِيُعْرَفَ. أقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْمًا مِمَّنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ لَمّا لَمْ يُشاهِدُوا غَرَقَهُ كَذَّبُوا