< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما أنَّ قَوْلَهُ:﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر: ٦٥] لا يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الشِّرْكِ مِنهُ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ مَوْضِعُهُ جَزْمٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَتْبَعا، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، فاخْتِيرَ لَها الكَسْرَةُ، لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ تُشْبِهُ نُونَ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”ولا تَتَّبِعانِ“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ دُعاءَهُما أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ في الوَقْتِ المَعْلُومِ، ويَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ، وفِرْعَوْنُ كانَ غافِلًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ أنَّهم خَرَجُوا وعَزَمُوا عَلى مُفارَقَةِ مَمْلَكَتِهِ خَرَجَ عَلى عَقِبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم، يُقالُ: أتْبَعَهُ حَتّى لَحِقَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ البَغْيُ طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ الظُّلْمُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ وصَلُوا إلى طَرَفِ البَحْرِ، وقَرُبَ فِرْعَوْنُ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنهم، فَوَقَعُوا في خَوْفٍ شَدِيدٍ، لِأنَّهم صارُوا بَيْنَ بَحْرٍ مُغْرِقٍ وجُنْدٍ مُهْلِكٍ، فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أظْهَرَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ بِتَمامِها في سائِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أصْحابِهِ دَخَلُوا وخَرَجُوا وأبْقى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ يَبْسًا، لِيَطْمَعَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العُبُورِ، فَلَمّا دَخَلَ مَعَ جَمْعِهِ أغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أوْصَلَ أجْزاءَ الماءِ بِبَعْضِها وأزالَ الفَلْقَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ وبَيَّنَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ البَغْيِ وهي مَحَبَّةُ الإفْراطِ في قَتْلِهِمْ وظُلْمِهِمْ، والعَدْوِ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ أظْهَرَ كَلِمَةَ الإخْلاصِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُنْجِيهِ مِن تِلْكَ الآفاتِ، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في الغَرَقِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟

صفحة ١٢٤

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الكَلامَ الحَقِيقِيَّ هو كَلامُ النَّفْسِ لا كَلامُ اللِّسانِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِالنَّفْسِ، لا بِكَلامِ اللِّسانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ ما قالَهُ بِاللِّسانِ، فَوَجَبَ الِاعْتِرافُ بِثُبُوتِ كَلامٍ غَيْرِ كَلامِ اللِّسانِ وهو المَطْلُوبُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الغَرَقِ مُقَدِّماتِهِ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ آمَنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ:

أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُ﴾ .

وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ .

وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ .

فَما السَّبَبُ في عَدَمِ القَبُولِ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ غَيْظٌ وحِقْدٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِقْدِ لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ هَذا الإقْرارَ ؟

والجَوابُ: العُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما آمَنَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، والإيمانُ في هَذا الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ يَصِيرُ الحالُ وقْتَ الإلْجاءِ، وفي هَذا الحالِ لا تَكُونُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . [غافر: ٨٥]

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ إنَّما