< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أَهْلُ الْكِتابِ بمعنى ليعلم: فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب. وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك؟ إِذْ أَمَرْتُكَ لان أمرى لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً وأحتمه عليك حتما لا بدّ لك منه فإن قلت: لم سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقداً أنه غير واجب عليه، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب. فإن قلت: كيف يكون قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جواباً لما منعك، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا؟ قلت: قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وبعلة فضله عليه، وهو أنّ أصله من نار وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعداً أن يؤمر بما أُمر به.

فَاهْبِطْ مِنْها من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين المتكبرين من الثقلين فَما يَكُونُ لَكَ فما يصح لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها وتعصى فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك، كما تقول للرجل: قم صاغراً، إذا أهنته. وفي ضدّه: قم راشداً. وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار. وعن عمر رضى الله عنه: من تواضع لله رفع الله حكمته [[قوله «رفع الله حكمته» في الصحاح: حكمة اللجام ما أحاط بالحنك. (ع)]] وقال: انتعش أنعشك الله. ومن تكبر وعدا طوره وهصه [[قوله: «وهصه الله إلى الأرض» وهصه: أى غمزه إلى الأرض والوهص: كسر الشيء الرخو وشدة الوطء على الأرض، كذا في الصحاح. (ع)]] الله إلى الأرض [[أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه. حدثنا أبو خالد الأحمر وعبد الله بن إدريس وسفيان بن عتبة عن ابن عجلان عن بكير بن الأشج عن معمر بن أبى حية عن عبيد الله بن عبيد الله بن عدى بن الخيار قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال: انتعش أنعشك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أنفس الناس كبير. وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض. وقال: اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أنفس الناس صغير، لهو أحقر عندهم من خنزير، وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق على بن المديني عن سفيان.

وقد روى بعضه مرفوعا، أخرج الدارقطني في العلل من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما من آدمى إلا وملك آخذ بحكمته. فإذا رفع نفسه قيل للملك: ضع حكمتك- وإذا وضع نفسه قيل للملك: ارفع حكمتك» قال: لا يثبت. فيه على بن زيد وهو ضعيف.]] .

فإن قلت: لم أجيب إلى استنظاره، وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم [[قال محمود: «فان قلت: لم أجيب إلى استنظاره، وإنما استنظر ليفسد عباده ... الخ» قال أحمد: وهذا السؤال إنما يورده ويلتزم الجواب عنه القدرية الذين يوجبون على الله تعالى رعاية المصالح في أفعاله. وأما أهل السنة فقد أصغوا حق الإصغاء إلى قوله تعالى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فلا يورد أحد منهم هذا السؤال ولا يجيب عنه من يورده، والله الموفق.]] قلت: