< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


من عكس الكلام الذي يقصد به الافراط فيما يعكس عنه، كقوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فمعنى رب هاهنا هو معنى كم، وأبلغ منه قول القائل:

قد أترك القرن مصفرا أنامله

إلا أن الزمخشري فر من هذا المعنى، لأن الواقع قلة النفوس الناظرة في أمر المعاد، فنزله على معنى يطابق الواقع، ويمكن أن يلاحظ الأمر فيسوغ حمله على التكثير النفوس المأمورات بالنظر في المعاد، وأنه ما من نفس إلا ومن حقها أن تمتثل هذا الأمر، وهو نظر حسن، فان الفعل المسند إلى النفس هاهنا ليس وقوع النظر حتى يستقل، وإنما هو طلب النظر وهو عام التعلق بكل نفس. والانصاف: أن ما ذكره الزمخشري أمكن وأحسن، والله الموفق.]] وعن الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يريد: تقريب الزمان الماضي. وقيل: عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران: يوم وغد. فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت: أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قمن للآخرة، كأنه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك.

وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك بن دينار:

مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا. خسرنا ما خلفنا نَسُوا اللَّهَ نسوا حقه، فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان [[قال محمود: «جعلهم ناسين بالخذلان» قال أحمد: بل خلق فيهم النسيان.]] ، حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ.

هذا تنبيه للناس وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات: كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه:

هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوّة الذي يقتضى البر والتعطف.

وقد استدل أصحاب الشافعي رضى الله عنه بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر.

هذا تمثيل وتخييل [[قال محمود: «هذا تخييل وتمثيل كما تقدم الخ» قال أحمد: وهذا مما تقدم إنكارى عليه فيه، أفلا كان يتأدب بأدب الآية: حيث سمى الله هذا مثلا ولم يقل: وتلك الخيالات نضربها للناس، ألهمنا الله حسن الأدب معه والله الموفق.]] ، كما مرّ في قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ وقد دل عليه قوله وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره. وقرئ: مصدّعا على الإدغام وَتِلْكَ الْأَمْثالُ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.

الْغَيْبِ المعدوم وَالشَّهادَةِ الموجود المدرك كأنه يشاهده. وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل: السر والعلانية. وقيل: الدنيا والآخرة الْقُدُّوسُ بالضم والفتح- وقد قرئ بهما- البليغ في النزاهة عما يستقبح. ونظيره: السبوح، وفي تسبيح الملائكة:

سبوح قدوس رب الملائكة والروح. والسَّلامُ بمعنى السلامة. ومنه دارُ السَّلامِ وسَلامٌ عَلَيْكُمْ وصف به مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص. أو في إعطائه السلامة والمؤمن واهب الأمن. وقرئ بفتح الميم بمعنى المؤمن به على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ المختارون بلفظ صفة السبعين. والْمُهَيْمِنُ الرقيب على كل