< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى، لأن ما هو كائن فكأن قد كان ثُمَّ إِنَّكُمْ ثم إنك وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب تَخْتَصِمُونَ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا، فاجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: أطعنا سادتنا وكبراءنا، وتقول السادات:

أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون، وقد حمل على اختصام الجميع وأن الكفار يخاصم بعضهم بعضا، حتى يقال لهم: لا تختصموا لدىّ، والمؤمنون الكافرين يبكتونهم بالحجج، وأهل القبلة يكون بينهم الخصام. قال عبد الله بن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتاب؟ قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد؟

حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا [[أخرجه الحاكم من رواية القاسم بن عوف عن ابن عمر رضى الله عنهما.]] وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا [[ذكره الثعلبي. قال: وروى خلف بن خليفة عن أبى هاشم عن الخدري.]] . وعن إبراهيم النخعي قالت الصحابة: ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان رضى الله عنه قالوا: هذه خصومتنا [[أخرجه عبد الرزاق والطبري والثعلبي من رواية عبد الله بن عوف عن إبراهيم بهذا.]] .

وعن أبى العالية: نزلت في أهل القبلة. والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت أولا.

ألا ترى إلى قوله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وقوله تعالى وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة كَذَبَ عَلَى اللَّهِ افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد ﷺ إِذْ جاءَهُ فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة، لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أى لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في لِلْكافِرِينَ إشارة إليهم.

وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هو رسول الله ﷺ: جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ فلذلك قال أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به، وهم الرسول الذي جاء بالصدق، وصحابته الذين صدقوا به. وفي قراءة ابن مسعود: والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به. وقرئ:

وصدق به. بالتخفيف، أى: صدق به الناس ولم بكذبهم به، يعنى: أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. وقيل: صار صادقا به، أى: بسببه، لأنّ القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده، ولا يجوز أن يصدق إلا الصادق، فيصير لذلك صادقا بالمعجزة، وقرئ: وصدّق به. فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوإ والأحسن إلى الذي عملوا، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بنى مروان. وأما التفضيل فإيذان بأن السيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة، هو عندهم الأسوأ