< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ثم قرنت بها القلوب ثانيا؟ قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب، فقد ذكرت القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والمرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم ذلِكَ إشارة إلى الكتاب، وهو هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ يوفق به من يشاء، يعنى: عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال: هدى للمتقين وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ومن يخذله من الفساق [[قوله «ومن يخذله من الفساق» تأويل الضلال بذلك مبنى على مذهب المعتزلة أن الله لا يخلق الشر. وعند أهل السنة: أنه يخلقه كالخير، فالاضلال: خلق الضلال في القلب. (ع)]] والفجرة فَما لَهُ مِنْ هادٍ أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أى: أثر هداه وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى يَهْدِي بِهِ بهذا الأثر من يشاء من عباده، يعنى: من صحب أولئك ورءاهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغبا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ: ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، فَما لَهُ مِنْ هادٍ من مؤثر فيه بشيء قط.

يقال: اتقاه بدرقته: استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ كمن أمن العذاب [[قال محمود: «معناه كمن هو آمن، فحذف الخبر أسوة أمثله ... الخ» قال أحمد: الملقى في النار والعياذ بالله، لم يقصد الاتقاء بوجهه، ولكنه لم يجد ما يتقى به النار غير وجهه، ولو وجد لفعل، فلما لقيها بوجهه كانت حاله حال المتقى بوجهه، فعبر عن ذلك بالاتقاء من باب المجاز التمثيلى، والله أعلم.]] ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره: وسوء العذاب:

شدّته. ومعناه: أن الإنسان إذا لقى مخوفا من المخاوف استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه، لأنه أعز أعضائه عليه والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل: المراد بالوجه الجملة، وقيل: نزلت في أبى جهل. وقال لهم خزنة النار ذُوقُوا وبال ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ......

مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينا هم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي: الذل والصغار، كالمسخ والخسف والقتل والجلاء، وما أشبه ذلك من نكال الله.

قُرْآناً عَرَبِيًّا حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد رجلا صالحا وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح غَيْرَ ذِي عِوَجٍ مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. فإن قلت: فهلا قيل: مستقيما: أو غير معوج؟ قلت: فيه فائدتان، إحداهما: نفى أن يكون فيه عوج قط، كما قال: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل:

المراد بالعوج: الشك واللبس. وأنشد:

وقد أتاك يقين غير ذى عوج ... من الإله وقول غير مكذوب [[الخطاب لرسول الله ﷺ، والمراد باليقين والقول: القرآن. أو اليقين: الأسرار، والقول: القرآن. أو اليقين: القرآن، والقول: ما عداه من الأوامر والنواهي، و «من الاله» متعلق بأتاك. والمعنى:

أن ذاك من الشك واللبس، ومن الكذب، فالعوج: استعارة تصريحية.]]

واضرب لقومك مثلا، وقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعى أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن