< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أو قل لهم ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإنّ مثله حقيق بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه.

قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أى هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا وأن الله واحد لا شريك له: نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوّته بأنّ ما ينبئ به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أنّ ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أى لأنما أنا نذير. ومعناه:

ما يوحى إلىّ إلا للإنذار، فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. ويجوز أن يرتفع على معنى:

ما يوحى إلىّ إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك، أى ما أو مر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلىّ غير ذلك. وقرئ إنما بالكسر على الحكاية، أى: إلا هذا القول، وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين ولا أدعى شيئا آخر. وقيل: النبأ العظيم: قصص آدم عليه السلام والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. فإن قلت: بم يتعلق إِذْ يَخْتَصِمُونَ؟ قلت: بمحذوف، لأن المعنى: ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم، وإِذْ قالَ بدل من إِذْ يَخْتَصِمُونَ. فإن قلت: ما المراد بالملإ الأعلى؟ قلت: أصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم:

فإن قلت: ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين: إما أن تقول الملأ الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم ولم يكن التفاؤل بينهم وإما أن تقول: التقاول كان بين الله وبينهم، فقد جعلته من الملإ الأعلى. قلت: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط، فصح أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام: التقاول على ما سبق.

فإن قلت: كيف صح أن يقول لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ قلت: وجهه أن يكون قد قال لهم: إنى خالق خلقا من صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم فَإِذا سَوَّيْتُهُ فإذا أتممت خلقه وعدلته وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وأحييته وجعلته حساسا متنفسا فَقَعُوا فخروا، كل: للإحاطة. وأجمعون: للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات. فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت: الذي لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة، فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله فيه مفسدة فينهى عنه. فإن قلت: كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجنّ؟ قلت: قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أريد وجود كفره ذلك الوقت وإن لم يكن قبله كافرا، لأن كانَ مطلق في جنس الأوقات الماضية، فهو صالح لأيها شئت. ويجوز أن يراد: وكان