< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وعلى ما قررناه يتضح. وأما قوله: إن المطابقة تنفك على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون وما يعملون فغير صحيح، فان لنا أن نحمل الأولى على أنها مصدرية وأنهم في الحقيقة إنما عبدوا نحتهم، لأن هذه الأصنام وهي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها، فلما عملوا فيها النحت عبدوها، ففي الحقيقة ما عبدوا سوى تحتهم الذي هو عملهم، فالمطابقة إذا حاصلة، والإلزام على هذا أبلغ وأمتن، ولو كان كما قال لقامت لهم الحجة، ولقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ بأن يقولوا: لا ولا كرامة، ولا يخلق الله ما نعمل نحن، لأنا إنما عملنا التشكيل والتصوير وهذا لم يخلقه الله، وكانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة، ويأبى الله إلا أن تكون لنا الحجة البالغة ولهم الأكاذب الفارغة، فهذا إلزام بل إلجام لمن خالف السنة، وغل بعنقه، وعقر بكتفه، وضرب على يده، حتى يرجع إلى الحق آئبا، ويعترف بخطئه تائبا.]] والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعاملو أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت: فما أنكرت [[قوله «فان قلت فما أنكرت» ؟ لعله: لم أنكرت. (ع)]] أن تكون ما مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى:

والله خلقكم وعملكم، كما تقول المجبرة [[قوله «كما تقول المجبرة» يريد أهل السنة حيث ذهبوا إلى أنه لا خالق إلا الله، فهو الخالق لعمل العبد والمعتزلة يقولون: إن العبد هو الخالق لعمل نفسه، فجعلوا العبد شريكا لله في الخالقية، مع أنهم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، قالوا: لو كان الله هو الخالق لفعل العبد لكان تعذيبه للعبد على المعاصي ظلما لا عدلا، قال أهل السنة:

يعذبه عليها كما يثيبه على الطاعة، لما له فيهما من الكسب والاختيار، فلا ظلم، لكن المعتزلة لم ينظروا في التوحيد تمام النظر، ولم يتبصروا في أدلته تمام التبصر. (ع)]] ؟ قلت: أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الاية يأباه إباء جليا، وينبو عنه نبوّا ظاهرا، وذلك أن الله عز وجل قد احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم، ولم يكن محتجا عليهم [[قوله «لم يكن محتجا عليهم» يكفى في الاحتجاج أن الله هو الخالق لهم ولأعمالهم في الأصنام وغيرها، والأصنام لا تخلق شيئا، بل الانفراد بالخالقية أدل على الانفراد بالالهية. (ع)]] ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر: وهو أن قوله ما تَعْمَلُونَ ترجمة عن قوله ما تَنْحِتُونَ وما في ما تَنْحِتُونَ موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق، وذلك أنك وإن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضا فإنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون، حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بما تنحتون: الأعيان التي هي الأصنام، وبما تعملون: المعاني التي هي الأعمال،