< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يرمى به الباطل فيدمغه ويزهقه عَلَّامُ الْغُيُوبِ رفع محمول على محل إن واسمها، أو على المستكن في يقذف، أو هو خبر مبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب صفة لربي، أو على المدح. وقرئ: الغيوب بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت. والغيوب كالصبور وهو الأمر الذي غاب وخفى جدا.

والحىّ إمّا أن يبدئ فعلا أو يعيده فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: لا يبدئ ولا يعيد مثلا في الهلاك. ومنه قول عبيد:

أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد [[لعبيد بن الأبرص. وأقفر: خلا أو هلك عبيد من أهله. والإبداء والاعادة من لوازمهما الحياة، فنفيهما كناية عن نفيها بالموت. كان المنذر بن ماء السماء يخرج في يوم من كل سنة فينعم على كل من يلقاه، وفي آخر فيقتل أول من يلقاه، فصادفه فيه عبيد، فقيل له: امدحه بشعر لعله يعفو عنك، فقال: حال الجريض دون القريض، أى منعت الغصة الشعر، فضرب ذلك مثلا وقال هذا البيت بعد ذلك تحسرا. وفي مجانى الأدب: أن المنذر قال له: أنشدنى: أقفر من أهله ملحوب، فقال: أفقر من أهله عبيد. وملحوب: اسم موضع، استنشده بيتا قديما فعلم أنه يريد هلاكه، فقال: لا قدرة لي على إبداء شعر جديد، ولا على إعادة شعر قديم، ودخل في حشو البيت الزحاف الطى، ومن العلل القطع، فصار مستفعلن على وزن مستعل بسكون اللام، وذلك في قوله «أهله» .]]

والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ وعن ابن مسعود رضى الله عنه: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود نبعة [[قوله «فجعل يطعنه بعود نبعة» لعله «معه» كعبارة النسفي. (ع)]] ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ [[متفق عليه وقد تقدم في الاسراء.]] . والحق: القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: السيف. وقيل الباطل: إبليس لعنه الله، أى: ما ينشئ خلقا ولا يعيده، المنشئ والباعث: هو الله تعالى. وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيرا ولا يعيده، أى: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: أىّ شيء ينشئ إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام. وقيل للشيطان: الباطل، لأنه صاحب الباطل، أو لأنه هالك كما قيل له: الشيطان، من شاط إذا هلك.

قرئ، ضللت أضلّ، بفتح العين مع كسرها. وضللت أضلّ، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو: ظللت أظلّ، وظللت أظلّ. وقرئ اضلّ: بكسر الهمزة مع فتح العين. فإن قلت: أين التقابل بين قوله فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وقوله فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، وإنما كان يستقيم أن يقال: فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما أهتدى لها، كقوله تعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. أو يقال: فإنما أضل بنفسي. قلت: هما متقابلان من جهة المعنى، لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعنى: أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها: لأن الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله ﷺ أن يسنده إلى نفسه، لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة حمله وسداد طريقته كان غيره أولى به إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ يدرك قول كل ضالّ ومهتد، وفعله لا يخفى عليه منهما شيء.

وَلَوْ تَرى جوابه محذوف، يعنى: لرأيت أمرا عظيما وحالا هائلة.