< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنه خلق كثيرا من الثقلين لتكون عاقبتهم جهنم جزاء على كفرهم.

وحينئذ يتعين الجمع بين الآيتين، وحمل عموم آية الذاريات على خصوص الآية الأخرى، وإن المراد: وما خلقت السعداء من الثقلين إلا لعبادتي، جمعا بين الأدلة، فقد ثبت أن العاقبتين كلتيهما مرادة لله تعالى: هذا بعد تظافر البراهين العقلية على ذلك، فوجه مجيء العاقبة المطلقة كثيرا وإرادة الخير بها: أن الله تعالى هدى الناس إليها ووعدهم ما ورد في سلوك طريقها من النجاة والنعيم المقيم، ونهاهم عن ضدها وتوعدهم على سلوكها بأنواع العذاب الأليم، وركب فيهم عقولا ترشدهم إلى عاقبة الخير، ومكنهم منها، وأزاح عللهم ووفر دواعيهم، فكان من حقهم أن لا يعدلوا عن عاقبة الخير ولا يسلكوا غير طريقها، وأن يتخذوها نصب أعينهم، فأطلقت العاقبة والمراد بها الخير تفريعا على ذلك، والله أعلم. والحاصل: أنها لما كانت هي المأمور بها والمحضوض عليها، عوملت معاملة ما هو مراد وإن لم تكن مرادة من كثير من الخلق، وقال لي بعضهم: ما يمنعك أن تقول لم يفهم كون العاقبة المطلقة هي عاقبة الخير من إطلاقها، ولكن من إضافتها إلى ذويها باللام في الآي المذكورة، كقوله مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ فأفهمت اللام أنها عاقبة الخير، إذ هي لهم وعاقبة السوء عليهم لا لهم، كما يقولون: الدائرة لفلان، يعنون: دائرة الظفر والنصر. والدائرة على فلان، يعنون:

دائرة الخذلان والسوء، فقلت: لقد كان لي في ذلك مقال لولا ورود أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ولم يقل عليهم، فاستعمال اللام مكان «على» دليل على إيفاء الاستدلال باللام على إرادة عاقبة الخير، والله أعلم.]] . وقرأ ابن كثير: قالَ مُوسى بغير واو، على ما في مصاحف أهل مكة، وهي قراءة حسنة، لأنّ الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به موسى عليه السلام عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة: سحرا مفترى. ووجه الأخرى:

أنهم قالوا ذلك، وقال موسى عليه السلام هذا، ليوازن الناظر بين القول والمقول، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر:

وبضدّها تتبيّن الأشياء [[من يظلم القرناء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء

ويذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتميز الأشياء

لأبى الطيب المتنبي، بمدح هارون بن عبد العزيز، أى: أنه تظلم أقرانه في تكليفهم أن يكونوا مساوين له، وفي ذلك مشقة عليهم: كناية عن أنه لا يساويه أحد. وقوله: وبضدها إلى آخره: دليل على ما قبله. ويروى:

تتبين الأشياء، والمعنى واحد، أى: الأشياء تعرف بمعرفة معنى أضدادها.]]

وقرئ تكون: بالياء والتاء.

روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقف على رأسه يبنى، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع: وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة: أنّ فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء، فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل عليه السلام لهدمه، والله أعلم بصحته. قصد بنفي علمه بإله غيره: نفى وجوده،