< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


خلقك! لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال، أنا يوسف ابن صفىّ الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكنى أحسن جوارك، فكن في أى بيوت السجن شئت. وروى أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشد كما بالله أن لا تحبانى، فو الله ما أحبنى أحد قط إلا دخل علىّ من حبه بلاء، لقد أحبتنى عمتي فدخل علىّ من حبها بلاء، ثم أحبنى أبى فدخل علىّ من حبه بلاء، ثم أحبتنى زوجة صاحبي فدخل علىّ من حبها بلاء، فلا تحبانى- بارك الله فيكما- وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي، إنى أرانى في بستان، فإذا بأصل حبلة [[قوله «فإذا بأصل حبلة» في الصحاح «الحبلة» بالضم: ثمر العضاه. وفيه «العضاه» كل شجر يعظم وله شوك والحبلة- بالتحريك-: القضيب من الكرم. وفيه أيضا: سلة الخبز معروفة. (ع)]] عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته. وقال الخباز: إنى أرانى وفوق رأسى ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ؟ قلت: إلى ما قصا عليه. والضمير يجرى مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.

لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك [[قوله «افترص ذلك» أى اتخذه فرصة، أى نوبة وحظا ونصيبا، أفاده الصحاح. (ع)]] فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده- وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين- لم يكن من باب التزكية بِتَأْوِيلِهِ ببيان ماهيته وكيفيته، لأنّ ذلك بشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه ذلِكُما إشارة لهما إلى التأويل، أى ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي وأوحى به إلىّ ولم أقله عن تكهن وتنجم إِنِّي تَرَكْتُ يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، وأن يكون تعليلا لما قبله. أى علمني ذلك وأوحى إلىّ، لأنى رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قوماً مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء. ويجوز أن يكون فيه تعريض بما منى به من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأنّ ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما أنه من بيت النبوّة بعد أن عرّفهما أنه نبىّ يوحى إليه، بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوى رغبتهما في الاستماع إليه