< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


١٦ / ١٩٣.]]﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ نِهَايَةَ قُوَّتِهِ، وَغَايَةَ شَبَابِهِ وَاسْتِوَائِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ .

وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ. [[انظر فيما سبق: ٦ / ٢٣٣-٢٣٤.]]

وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمِّهِ أُمِّ الْخَيْرِ بِنْتِ صَخْرِ بْنِ عَمْرٍو.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ، أَسْلَمَ أَبَوَاهُ جَمِيعًا، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبَوَاهُ غَيْرُهُ، أَوْصَاهُ اللَّهُ بِهِمَا، وَلَزِمَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٤٣٩-٤٤٠. وانظر: زاد المسير: ٧ / ٣٧٨.]] .

وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةٍ، فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ أربعين سنة ونبيء النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ بِهِ وَدَعَا رَبَّهُ [[انظر: القرطبي: ١٦ / ١٩٤.]] فَـ ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾

أَلْهِمْنِي، ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَجَابَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَدَعَا أَيْضًا فَقَالَ: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ فَأَجَابَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا آمَنُوا جَمِيعًا، فَاجْتَمَعَ لَهُ إِسْلَامُ أَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ جَمِيعًا، فَأَدْرَكَ أَبُو قُحَافَةَ النَّبِيَّ ﷺ، وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَتِيقٍ كُلُّهُمْ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ [[انظر: زاد المسير: ٧ / ٣٧٨.]] . قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يَعْنِي أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةَ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا، وَكُلُّهَا حَسَنٌ، و"الْأَحْسَنُ" بِمَعْنَى الْحَسَنِ، فَيُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا، ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فَلَا نُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجَاوَزُ" بِالنُّونِ، "أَحْسَنَ" نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَضَمِّهَا "أَحْسَنُ" رَفْعٌ.

﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ مَعَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" [التوبة: ٧٢] .

﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ إِذْ دَعَوَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ، ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾ وَهِيَ كَلِمَةُ كَرَاهِيَةٍ، ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ مِنْ قَبْرِي حَيًّا، ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فَلَمْ يُبْعَثْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ يَسْتَصْرِخَانِ وَيَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَانِ لَهُ: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا﴾ مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُوَانِي إِلَيْهِ، ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ، وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ [[انظر: تفسير ابن كثير: ٤ / ١٦٠، القرطبي: ١٦ / ١٩٧.]] .

وَقِيلَ: فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، كَانَ أَبَوَاهُ يَدْعُوَانِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى، وَيَقُولُ: أَحْيُوا لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ وَعَامِرَ بْنَ كَعْبٍ وَمَشَايِخَ قُرَيْشٍ حَتَّى أَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُونَ [[قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ٤ / ١٥٩-١٦٠: "ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه". وانظر: البحر المحيط: ٨ / ٦١.]] .

وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [[أخرجه الطبري: ٢٦ / ١٩، وانظر: تفسير ابن