< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وَقَوْلُهُ:﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يَعْنِي: أَمْثَالَكُمْ وَسَلَفَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَيْ: فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ بِمَا أَخْزَى اللَّهُ أُولَئِكَ، وَقَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سَبَأٍ: ٥٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أَيْ: مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَعْمَالِهِمْ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أَيْ: مَجْمُوعٌ عَلَيْهِمْ، وَمُسَطَّرٌ فِي صَحَائِفِهِمْ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ -وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا-عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ ومُحَقِّرات الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ الْمَدَنِيِّ [[المسند (٦/١٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٤٣) .]] . وَثَّقَهُ [[في أ: "الذي وثقه".]] أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ [[تاريخ دمشق (٧/٣٥٣ "المخطوط") من طريق أبي عامر العقدي والقعنبي، كلاهما عن سعيد بن مسلم به.]] ، ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَامِرَ بْنَ هِشَامٍ فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ يَا سَعِيدُ بْنَ مُسْلِمٍ! لَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ عَمِلَ ذَنْبًا فَاسْتَصْغَرَهُ، فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْمَانُ:

لَا تَحْقِرنَّ مِنَ الذنوبِ صَغِيرا ... إِنَّ الصَّغير غَدًا يَعُودُ [[في أ: "يكون".]] كَبِيرَا ...

إِنَّ الصَّغِيرَ وَلَوْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... عِنْدَ الْإِلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيرَا ...

فَازْجُرْ هَوَاكَ عَنِ الْبَطَالَةِ لَا تَكُنْ ... صَعْبَ الْقِيَادِ وَشَمِّرَنْ [[في م: "وشمر".]] تَشْمِيرَا ...

إِنَّ المُحِبَّ إِذَا أَحَبَّ إلههُ ... طَارَ الْفُؤَادُ وأُلْهِم التَّفْكِيرَا ...

فَاسْأَلْ هِدَايَتَكَ الْإِلَهَ بِنِيَّة ... فَكَفَى بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرَا [[تاريخ دمشق (٧/٣٥٣ "القسم المخطوط") .]] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أَيْ: بِعَكْسِ مَا الْأَشْقِيَاءُ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ والسُّعر وَالسَّحْبِ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، مَعَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّهْدِيدِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أَيْ: فِي دَارِ كَرَامَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَفَضْلِهِ، وَامْتِنَانِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أَيْ: عِنْدَ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ الْخَالِقِ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَمُقَدِّرِهَا، وَهُوَ مُقْتَدِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ مِمَّا يَطْلُبُونَ وَيُرِيدُونَ؛ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في م: "عبد الله بن أبي عمرو" وهو خطأ.]] -يَبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قال: "المقسطون عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا".

انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) وسنن النسائي (٨/٢٢١) .]] .

آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "اقْتَرَبَتْ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ

« الصفحة السابقة ص ١٢ من ١٢ الصفحة التالية »