< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مَقَامُ فَضْل-بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ عمومُ قَوْلِهِ تَعَالَى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نزلا﴾ [الكهف: ١٠٧] ، وما أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ أَفْرَدْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي جُزْءٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذِهِ الْجَنَّةُ لَا يَزَالُ فِيهَا فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، أَفَلَا يُسْكِنُهَا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ لَهُ صَالِحًا؟ وَمَا ذَكَرُوهُ هَاهُنَا مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ وَالْإِجَارَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، هُوَ يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ، فَمَنْ أُجِيرَ مِنَ النَّارِ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَا مَحَالَةَ. وَلَمْ يَرِدْ مَعَنَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَلَا ظَاهِرٌ عَنِ [[في أ: "من".]] الشَّارِعِ أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَإِنْ أُجِيرُوا مِنَ النَّارِ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نُوحٍ: ٤] ، [[في ت، أ: "ويجركم" وهو خطأ.]] وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ. وَقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أَقْوَالٌ غَرِيبَةٌ فَعَنْ عُمَر بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُونَ فِي رَبَضها وَحَوْلَهَا وَفِي أَرْجَائِهَا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَرَاهُمْ بَنُو آدَمَ وَلَا يَرَوْنَ بَنِي آدَمَ عَكْسَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَإِنَّمَا يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّقْدِيسَ، عِوَضا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَالْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِيهَا نَظَرٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُ: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بَلْ قُدْرَةُ اللَّهِ شَامِلَةٌ لَهُ وَمُحِيطَةٌ بِهِ، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ أَيْ: لَا يُجِيرُهُمْ مِنْهُ أحدٌ ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا مقامُ تَهْدِيدٍ وَتَرْهِيبٍ، فَدَعَوا قَوْمَهُمْ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ وَلِهَذَا نَجَعَ فِي كَثِيرٍ منهم، وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وُفُودًا وُفُودًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُسْتَبْعِدُونَ لِقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ الْمَعَادِ ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أَيْ: وَلَمْ يَكْرثهُ خَلْقُهن، بَلْ قَالَ لَهَا: "كُونِي" فَكَانَتْ، بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُخَالَفَةٍ، بَلْ طَائِعَةٌ مُجِيبَةٌ خَائِفَةٌ وَجِلَةٌ، أَفَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ثُمَّ قَالَ مُتَهَدِّدًا وَمُتَوَعِّدًا لِمَنْ كَفَرَ بِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ: أَمَا هَذَا حَقٌّ؟ أَفَسِحْرٌ هَذَا؟ أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أَيْ: لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا الِاعْتِرَافُ، ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ [[في ت: "لرسوله".]] ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أَيْ: عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْدَادِ أُولِي الْعَزْمِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَأَشْهَرُهَا أَنَّهُمْ: نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى أَسْمَائِهِمْ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ فِي آيَتَيْنِ مِنْ [[في ت: "في".]] سُورَتَي "الْأَحْزَابِ" وَ "الشُّورَى"، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأُولِي الْعَزْمِ جَمِيعُ الرّسُل، وَتَكُونَ ﴿مِنَ﴾ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ