< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مِنْ مَجْلِسِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْعَدِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَاتِ وَلِلطَّعَامِ [[في ف، أ: "والطعام".]] مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزول الشَّمْسُ.

﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ، أَمِينٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوْهَرِ.

فَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ سُلَيْمَانَ أَرَادَ بِإِحْضَارِ هَذَا السَّرِيرِ إِظْهَارَ عَظَمَةِ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وسَخَّر لَهُ مِنَ الْجُنُودِ، الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. وَلِيَتَّخِذَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِهَا كَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدموا عَلَيْهِ. هَذَا وَقَدْ حَجَبَتْهُ بِالْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ وَالْحَفَظَةِ. فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ. وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيَاءَ، وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُؤْمِنًا مِنَ الْإِنْسِ، وَاسْمُهُ آصِفُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْإِنْسِ -زَادَ قَتَادَةُ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ اسْمُهُ أَسْطُومَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: كَانَ اسْمُهُ بُلَيْخَا.

وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ [[في أ: "الإنس".]] يُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ.

وَزَعْمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة: أَنَّهُ الْخَضِرُ. وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أَيِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ وَانْظُرْ مُدّ بَصَرِكَ مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: امْدُدْ بَصَرَكَ، فَلَا يَبْلُغْ مَدَاهُ حَتَّى آتِيَكَ بِهِ.

فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ نَحْوَ الْيَمَنِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْعَرْشُ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ: يَا إِلَهَنَا وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِهَا. قَالَ: فَتَمَثَّلَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا دَعَا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ -وَكَانَ فِي الْيَمَنِ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ -غَابَ السَّرِيرُ، وَغَاصَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، لَمْ يَشْعُرْ سُلَيْمَانُ إِلَّا وَعَرْشُهَا يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عُبَّاد الْبَحْرِ، فَلَمَّا عَايَنَ سُلَيْمَانُ ومَلَؤه ذَلِكَ، وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أَيْ: هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أَيْ: لِيَخْتَبِرَنِي، ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ وَعِبَادَتِهِمْ، ﴿كَرِيمٌ﴾ أَيْ: كَرِيمٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ، فَإِنَّ عَظَمَتَهُ لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً [[في أ: "تفتقر".]] إِلَى أَحَدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ،