< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ﴾

.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يسألك يا محمد هؤلاء المكذّبون بالبعث عن الساعة التي تبعث فيها الموتى من قبورهم ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ، متى قيامها وظهورها. وكان الفرّاء يقول: إن قال القائل: إنما الإرساء للسفينة، والجبال الراسية وما أشبههنّ، فكيف وصف الساعة بالإرساء؟ قلت: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جارية فرست، ورسوّها: قيامها؛ قال: وليس قيامها كقيام القائم، إنما هي كقولك: قد قام العدل، وقام الحقّ: أي ظهر وثبت.

قال أبو جعفر رحمه الله: يقول الله لنبيه: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ يقول: في أيّ شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن شأنها. وذُكر أن رسول الله ﷺ كان يُكثر ذكر الساعة، حتى نزلت هذه الآية.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: لم يزل النبيّ ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل الله عزّ وجل: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ .

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن طارق بن شهاب، قال: كان النبيّ ﷺ لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ... ﴾ إلى ﴿مَنْ يخْشاهَا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ قال: الساعة.

* *

وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾

يقول: إلى ربك منتهى علمها، أي إليه ينتهي علم الساعة، لا يعلم وقت قيامها غيره.

* *

وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾

يقول تعالى ذكره لمحمد: إنما أنت رسول مبعوث بإنذار الساعة من يخاف عقاب الله فيها على إجرامه ولم تكلف علم وقت قيامها، يقول: فدع ما لم تكلف علمَه واعمل بما أمرت به من إنذار من أُمرت بإنذاره.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: ﴿مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ فكان أبو جعفر القارئ وابن محيصن يقرأان ﴿مُنْذِرٌ﴾ بالتنوين، بمعنى: أنه منذر من يخشاها، وقرأ ذلك سائر قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة بإضافة ﴿مُنْذِرُ﴾ إلى ﴿من﴾ .

والصواب من القول في ذلك عندي: أنهم قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

* *

وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾

يقول جلّ ثناؤه: كأن هؤلاء المكذّبين بالساعة، يوم يرون أن الساعة قد قامت من عظيم هولها، لم يلبثوا في الدنيا إلا عشية يوم، أو ضحى تلك العشية، والعرب تقول: آتيك العشية أو غَدَاتَها، وآتيك الغداةَ أو عشيتها، فيجعلون معنى الغداة بمعنى أوّل النهار، والعشية: آخر النهار فكذلك قوله: ﴿إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ إنما معناه إلا آخر يوم أو أوّله، وينشد هذا البيت:

نَحْنُ صَبَحْنا عامِرًا فِي دَارِها ... عَشِيَّةَ الهِلالِ أوْ سِرَارِها [[ديوانه: ٦٠، وطبقات فحول الشعراء: ٦٤، وخندف: أم بني إلياس بن مضر، مدركة وطابخة، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى.]]

يعني: عشية الهلال، أو عشية سرار العشية.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.

آخر تفسير سورة النازعات.

« الصفحة السابقة ص ١٦ من ١٦ الصفحة التالية »