< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (٢٤) إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) ﴾
.
يعني تعالى ذكره بقوله: إن جهنم كانت ذات رَصْد لأهلها الذين كانوا يكذّبون في الدنيا بها وبالمعاد إلى الله في الآخرة، ولغيرهم من المصدّقين بها. ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها وترصُدهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المازني، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال: ألا إنّ على الباب الرّصَد، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز احتبس.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال: لا يدخل الجنة أحد حي يجتاز النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ يُعْلِمُنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يَقطَع النار.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال: عليها ثلاث قناطر.
* *
وقوله: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾
يقول تعالى ذكره: إن جهنم للذين طَغَوا في الدنيا، فتجاوزوا حدود الله استكبارا على ربهم كانت منزلا ومرجعا يرجعون إليه، ومصيرا يصيرون إليه يسكنونه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد. قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ أي منزلا ومأوى.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران عن سفيان ﴿مآبًا﴾ يقول: مرجعا ومنزلا.
* *
وقوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء الطاغين في الدنيا لابثون في جهنم، فماكثون فيها أحقابا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿لابِثِينَ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة ﴿لابِثِينَ﴾ بالألف. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة " لَبِثِينَ " بغير ألف، وأفصح القراءتين وأصحهما مخرجا في العربية قراءة من قرأ ذلك بالألف، وذلك أن العرب لا تكاد توقع الصفة إذا جاءت على فَعِل فتعملها في شيء، وتنصبه بها، لا يكادون أن يقولوا: هذا رجل بَخِل بماله، ولا عَسِر علينا، ولا هو خَصِم لنا؛ لأن فعل لا يأتي صفة إلا مدحا أو ذما، فلا يعمل المدح والذمّ في غيره، وإذا أرادوا إعمال ذلك في الاسم أو غيره جعلوه فاعلا فقالوا: هو باخل بماله، وهو طامع فيما عندنا، فلذلك قلت: إن ﴿لابِثِينَ﴾ أصح مخرجا في العربية وأفصح، ولم أُحِلّ قراءة من قرأ ﴿لَبِثِينَ﴾ وإن كان غيرها أفصح، لأن العرب ربما أعملت المدح في الأسماء، وقد يُنشد بيت لبيد:
أوْ مِسْحَلٌ عَمِلٌ عِضَادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَرَاتِهَا نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ [[الذي عناه الطبري، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه "مجاز القرآن": ٢١، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه.]]
فأعمل عَمِلٌ في عِضادة، ولو كانت عاملا كانت أفصح، ويُنشد أيضا:
... ... ... ... ... ... ... ... ... وبالفأس ضَرَّابٌ رُءُوسَ الكَرَانِفِ [[حماسة أبي تمام ٣: ١٣٥، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٦٢.]]
ومنه قول عباس بن مرداس:
أكَرَّ وأحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وأضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ الْقَوَانِسا [[في المطبوعة: "أن معنى الله هو