< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: فلما أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت فمات ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ يقول: لم يدل الجن على موت سليمان ﴿إِلا دَابَّةُ الأرْضِ﴾ وهي الأرضة وقعت في عصاه التي كان متكئًا عليها فأكلتها، فذلك قول الله عز وجل ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني ابن المثنى وعلي قالا ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ﴿إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ يقول: الأرضة تأكل عصاه.

⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: عصاه.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿إِلا دَابَّةُ الأرْضِ﴾ قال: الأرضة ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: عصاه.

⁕ حدثني محمد بن عمارة قال ثنا عبد الله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أَبي يحيى عن مجاهد ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: عصاه.

⁕ حدثنا ابن بشار قال ثنا ابن عثمة قال ثنا سعيد بن بشير عن قتادة في قوله ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ أكلت عصاه حتى خرَّ.

⁕ حدثنا موسى بن هارون قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط عن السدي المنسأة: العصا بلسان الحبشة.

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المنسأة العصا.

واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ غير مهموزة، وزعم من اعتل لقارىء ذلك كذلك من أهل البصرة أن المنساة: العصا، وأن أصلها من نسأت بها الغنم، قال: وهي من الهمز الذي تركته العرب، كما تركوا همز النبي والبرية والخابية، وأنشد لترك الهمز في ذلك بيتا لبعض الشعراء:

إذا دَبَبْتَ على المِنساةِ من هَرَمٍ ... فقدْ تَبَاعَد عنكَ اللَّهوُ والغَزَلُ [[البيت من شواهد أَبي عبيدة في (مجاز القرآن، الورقة ١٩٨ - ب) والرواية فيه "حبيت" في موضع "دببب". وفي هامشه بخط الناسخ: (رواية: دببب) . قال أبو عبيدة: (تأكل منسأته) : وهي العصا: من نسأت بها الغنم. وهو من المهموز الذي تركت العرب الهمزة من أسمائها، ويهمزون الفعل منها، كما تركوا همزة النبي والبرية والخالية، وهو من أنبأت، ومن برأت، وخبأت. قال: "إذا حببت على المنساة ... " البيت. وبعضهم يهمزها فيقول: منسأة. ا. هـ. والبيت في (اللسان: نسأ) وروايته: "إذا دببب ... " البيت. وقال قبل ذلك: والمنسأة: العصا؛ يهمز، ولا يهمز. ينسأ بها. وأبدلوا إبدالا كليا، فقالوا منساة. وأصلها الهمز، ولكنها بدل لازم حكاه سيبويه. وقد قرئ بهما جميعا. قال الفراء في قوله عز وجل: (تأكل منسأته) وهي العصا العظيمة التي تكون مع الراعي. أخذت من نسأت البعير إذا زجرته ليزداد سيره. كما يقال نسأت اللبن إذا صببت عليه الماء. وهو النسئ.]]

وذكر الفراء عن أَبي جعفر الرَّوَاسي أنه سأل عنها أبا عمرو فقال: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ بغير همز.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾بالهمز، وكأنهم وجهوا ذلك إلى أنها مِفْعَلة من نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره،