< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وبأن الله هو العليُّ، يقول: ذو العلوّ على كلّ شيء، وكلّ ما دونه فله متذلل منقاد، الكبير الذي كل شيء دونه، فله متصاغر.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تر يا محمد أن السفن تجري في البحر نعمة من الله على خلقه ﴿لِيُرِيكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ يقول: ليريكم من عبره وحججه عليكم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ يقول: إن في جري الفلك في البحر دلالة على أن الله الذي أجراها هو الحقّ، وأنّ ما يدعون من دونه الباطل ﴿لكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ يقول: لكلّ من صبر نفسه عن محارم الله، وشكره على نعمه فلم يكفره.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مطرف يقول: إنّ من أحبّ عباد الله إليه: الصبَّار الشَّكور.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله، ألم تر إلى قوله: (إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ، ﴿إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ للْمُوقِنينَ﴾ ، ﴿إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ للْمُؤْمِنينَ﴾ .

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن الشعبيّ ﴿إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ لكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله.

إن قال قائل: وكيف خصّ هذه الدلالة بأنها دلالة للصبَّار الشَّكور دون سائر الخلق؟ قيل: لأنّ الصبر والشكر من أفعال ذوي الحجى والعقول، فأخبر أن في ذلك لآيات لكلّ ذي عقل؛ لأن الآيات جعلها الله عبرا لذوي العقول والتمييز.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) ﴾

يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر -إذا ركبوا في الفُلك- موج كالظُلل، وهي جمع ظُلَّة، شبَّه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، قال نابغة بني جعدة في صفة بحر:

يُماشِيهِنَّ أخْضَرُ ذُو ظلال ... عَلى حافاتِهِ فِلَق الدّنانِ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٩١ ب) قال عند تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل) : واحدتها: ظلة. ومجازه: من شدة سواد كثرة الماء ومعظمه. قال النابغة الجعدي وهو يصف البحر: "يماشيهن ... فلق الدنان". يريد: أن البحر يمتد معهن في سيرهن. وظلال البحر: أمواجه، لأنها ترفع فتظل السفينة ومن فيها. والدنان بالدال المهملة: جمع دن بالفتح، هو راقود الخمر الكبير.]]

وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع، لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كهيئة الظلل.

* *

وقوله: ﴿دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ﴾

يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره.

* *

قوله: ﴿فَلَمَّا نجَّاهُمْ إلى البَرّ﴾

مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البرّ. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال