< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كانتا رتقا، والغيث إنما ينزل من السماء الدنيا؟ قيل: إن ذلك مختلف فيه، قد قال قوم: إنما ينزل من السماء السابعة، وقال آخرون: من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينزل من السماء الدنيا، لم يكن في قوله﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ دليل على خلاف ما قلنا، لأنه لا يمتنع أن يقال السماوات، والمراد منها واحدة فتجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص أسمال.

فإن قال قائل: وكيف قيل إن السماوات والأرض كانتا، فالسماوات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كنّ، وفي كثيره كانت؟ قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان، فالسماوات نوع، والأرض آخر، وذلك نظير قول الأسود بن يعفر:

إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما ... تُوفِي المَخارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِي [[البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي (المفضليات ١٠١) والمنية: الموت، والحتوف جمع حتف، يريد به أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت والمخارم جمع مخرم: الطريق في الغلظ (عن السكري) . وقيل: الطرق في الجبال وأفواه الفجاج، وسواد الإنسان شخصه. والشاهد في البيت أن الشاعر ذكر المنية والحتوف ثم قال يرقبان بالتثنية، لأنه جعل المنية والحتوف نوعين للهلاك، ثم قال: يرقبان. ولو جرى على ما يقتضيه اللفظ لقال: ترقب سوادي، لأن المنية والحتوف عدة أشياء.]]

فقال كلاهما، وقد ذكر المنية والحتوف لما وصفت من أنه عنى النوعين، وقد أخبرت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: أنشدني غالب النفيلي للقطامي:

ألمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعَا [[البيت للقطامي، وهو الرابع من عينيته المشهورة التي مطلعها " قفي قبل التفرق يا ضباعا " (انظر ديوانه، طبعة ليدن سنة ١٩٠٢، ص ٢٧) . قال: تباينت تفرقت. والحبال: العلائق والعهود. والشاهد في البيت أن الشاعر قال: تباينتا بلفظ التثنية، مع أن حبال قيس جمع، وحبال تغلب جمع، فكان ظاهر اللفظ يقتضي أن يقول: (تباينت انقطاعا) مراعاة لمعنى الجمعية في حبال قيس وتغلب.]]

فجعل حبال قيس وهي جمع، وحبال تغلب وهي جمع اثنين.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

يقول تعالى ذكره: وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء.

كما:-

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قال: كلّ شيء حيّ خُلق من الماء.

فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار، وغير ذلك مما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟ قيل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهنّ وأن في ذوات الأرواح أرواحا، فلذلك قيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ .

* *

وقوله ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾

يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهية من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) ﴾

يقول تعالى ذكره: أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا، أنا جعلنا في الأرض جبالا راسية؟ والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ